الاثنين، 5 مارس 2012

ثــلاث أمــتار عـــن الــــسمــاء .. بــقــلــمــي ، متجددة باستمرار +2 +3 +4


جلست أنظر إليها وهي تتكلم و ابتسامة استلطاف لما تسرده مرسومة على محياي على غير ما كنت أشعر به حينها حقيقة ، كنت منتشيا و أنا أتابعها تتقمص دور الفتاة المثالية ، تحرك يديها يمنة و يسرة و ملامحها تتغير مع كل حرف تنطق به محاولة التأثير علي مبرزة أنها لطيفة و متواضعة و رقيقة و خجولة و أنا من جانبي أومئ إليها بإشارات و كلمات متقاطعة تجعلها تستطرد أكثر في الحديث فتبتسم تارة و تطلق قهقهة تارة أخرى لإضفاء نوع من الدعابة على المشهد و للتأكيد على أنها ليست كباقي الفتيات و أنها مميزة و استثنائية و فرصة لا تعوض لأي شاب يلتقيها ، ولكنني كنت أعي جيدا أنها بكلامها الكثير و ثرثرتها التي لا تتوقف و تَصَنُّعِهَا في كل حركة تقوم بها أو كل نظرة تديرها لم تكن هي هي بل كانت تستعير شخصية غير شخصيتها و أسلوبا غير أسلوبها و روحا غير روحها و هذا ما كان يشعرني بأنني في مشهد مسرحي نشاز بطله يحاول اقناع المشاهد بصدقه بدون فائدة .. كنت أعرف أنها لم تتعرف علي أبدا فطريقة محاورتها لي تؤكد على أني رقم جديد ينضاف إلى أرقام ماضيها الحافل بالزوابع ولكني بعد لحظات من جلوسنا في المقهى و أنا أحتسي فنجان قهوتي السوداء أخدت في تجميع قصاصات ذاكرتي و استعراض شريط مرحلة مرت من حياتي ، أغوص في ملامح وجهها و أبحث عن نغمة الصوت هذه في رصيد ذاكرتي ، حينها ارتسمت على محياي ابتسامة مكرٍ شريرة فقد عرفتها و ما كانت صورتها لتغيب عن مخيلتي مطلقا على الرغم من كل هذه السنين التي مرت على آخر لقاء بيننا و على الرغم من كميات المساحيق و المستحضرات التي طَلَتْ بها وجهها إلا أنني يستحيل أن أنساها ، كانت صديقة لإلهام إحدى الفتيات اللاتي كن يدرسن برفقتي في نفس الفصل و التي كانت علاقتي بها وطيدة نوعا ما و كانت تحكي لي عن مغامراتهما الكثيرة و عن أعداد المعجبين الذين يصطفون طابوراً أمامها و عن حلقات اللعب بالمشاعر و الأحاسيس و اصطياد المغفلين و استغلالهم ماديا فقد كانت جميلة جدا مغرية فاتنة ساحرة بعينيها الزرقاوتين و بشعرها الأسود القاتم الطويل الذي ينسدل كستارة فاخرة على كتفيها و بقوامها الممشوق و أناقتها البالغة و وجهها الملائكي البريئ و الذي يخفي بين ثناياه شرا مستطيرا لا أدري من أين تأتي به ، كانت فتاة أحلامي و أمنيتي كانت هي أن أظفر بها إلا أنها في كوكب بعيد و أنا مجرد طالب فقير أنداك حتى أنها لم تنظر إلي ولا مرة إلا بازدراء و كنت أشعر أنها تتمتع بإحساس أنها مرغوبة من الجميع و أنها محط اهتمامهم .. كنت أشعر بالغبن كلها همت إلهام بالحديث عن مغامراتهما و صولاتهما و جولاتهما في المدينة و عن أعداد المعجبين الذي يواكبونهم كل مرة بسياراتهم الفاخرة ، كنت أشعر أن قيمتي تقاس فقط بما أنا عليه فقط إلى أن تغير حالي و تحسنت وضعيتي و أصبحت في مركز مهم ، حينها اكتشفت أن التواضع قيمة ثابتة فمن تواضع لله رفعه ، و الأكيد أن السنين التي مرت و الوجوه الكثيرة الني مرت عليها أنستها صورتي التي لا اعتقد انها كانت تعني لها شيئا سابقا و أنا الذي كنت أنتظر منها ابتسامة صغيرة ، شفقة كانت أو رحمة أو أي شيء إلا أنها لم تكن تعيرني أيامها أي اهتمام ببساطة لأن معايير البروز و القبول عندها منعدمة بالنسبة لي آنداك ، لازلت أتذكر كيف صدتني بطريقة فظة عندما توجهت نحوها و هممت بالحديث معها إلا أنها لم تمنحني حتى فرصة أن أنطق بحرف أمامها و قابلتني بنظرة احتقار لا يمكنني أن أنساها مطلقا مرسلة ضحكة إستهزاء و ازدراء بين زميلاتها أصابتني بالوهن و اليأس ، كانت شيئا بعيد المنال يومها بل كانت شيئا مستحيلا ولكني لم أكن أعرف أن دائرة الأيام تخفي عنا أشياء لم تكن أبدا في الحسبان ..
ركنت سيارتي عند قارعة الطريق و نظرْتُ إليها بابتسامة صغيرة قابلتي بأخرى صفراء فاقعة مرددة على مسامعي أسطوانة أن الوقت مر معي سريعا و أنها سعدت كثيرا بالتعرف على شاب وسيم مثقف منفتح عصري مثلي و أنها تتمنى أن تتكرر لقاءاتنا في أي زمان و مكان أريد و أنها و أنها و أنها .. أجبتها بلطف و أخبرتها بأنني سأتصل بها عندما أنتهي من بعض الأشغال ، خرجَتْ من السيارة و أوْصَدَتْ الباب بهدوء بعد أن حيتني بوِِدٍّ ، انطلقَتْ بسرعة تطوي الشارع عرضا لتدير وجهها نحوي بابتسامة زهرية مودعة إياي بإشارة من أصابعها الصغيرة لتنعطف بعدها نحو زقاق مجاور و تختفي بين زحام المارة .. أدرت المحرك و انطلقْتُ ، لا أدري لماذا !! إلا أني شعرت برغبة كبيرة في الضحك فطفقت أضحك و أضحك حتى دمعت عيناي هههه فكرت طويلا في ما حدث ، لم أستغرب للطريقة التي تعاملت معي بها فهي فقط بداية لها ما بعدها ، نظراتها و حركاتها كلها تتفحص هيئتي و مظهري حتى أني تأكدت بأنها لا تهتم بشخصي أنا بل شدتها فقط السيارة الفارهة التي كنت أستقل و الثياب الفاخرة التي كنت أرتدي و الهاتف النقال الذي كان بحوزتي و إلا لما أعارتني ذرة اهتمام منذ البداية .. توقفْتُ عند إشارة المرور الحمراء و أخدت منديلا مسحت به عيناي من شدة الضحك و إذا بي أسمع طرقا على زجاج السيارة ، استدرت لأجد صديقي مصطفى ، ركنت السيارة على جنب و خرجت للسلام عليه .. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان مصطفى صديق دراستي و قد أمضيت معه العديد من الأوقات الممتعة أيامها و كنا نتشارك في كل شيء نقوم به ، سواء في الدراسة أو في غيرها فقد كنا نتقاسم نفس الإهتمامات و نفس الميول .. و على الرغم من أن أقدار الحياة باعدت بيننا فأنا سافرت للخارج لإتمام الدراسة وهو آثر اتمام دراسته في العاصمة إلا أننا كنا نتواصل دائما عبر الهاتف او عبر الأنترنت .. بعد حديث حميمي طويل أصريت على أن يصحبني إلى المنزل للعشاء و هناك بدأنا نستعرض شريط ذكريات جميلة جدا إلى أن بادرته بالسؤال ..
هل تذكر إلهام ؟؟
من إلهام هذه ؟؟
إلهام الفتاة التي كانت تجلس بجانبي في حصص الفرنسية ..
لا ، لا أذكرها ..
البدينة التي كانت ترتدي دائما ملابس فاضحة و كانت تتعارك معك للجلوس بجانبي .. ألا تذكرها يا رجل !!
آآآآه إلهااااااام ، صديقة منال التي كُنْتَ تحلم بها ليل نهار هههه
كنت سأشك في أن حسابات البنك شتَّتَتْ لك ذاكرتك ولكنها لحسن الحظ لازالت تعمل هههه
لازلت أراها في المدينة رفقة صديقتها تلك ، لازِلْنَ يصطدن المغفلين ولكنهن انتقلوا الآن من الطلاب إلى علية القوم هههه ..
لم تُـغَـيِّر فيهن السنين شيئا أليس كذلك ؟؟
منال أصبحت أكثر جمالا من ذي قبل ، المدينة كلها تلهث ورائها و هي تحركهم بأصابعها كالكراكيز هههه لكن ما الذي ذكَّرك بهن ؟؟ هل هو الحنين هههه ؟؟
أي حنين يا رجل لقد نسيتها منذ مدة طويلة ، القصة ببساطة أني منذ أسبوع كنت أبحث عن حاسوب في أحد المحلات ، وجدت فتاة جميلة جدا ترتدي ملابس .. أو لنقل أنها ترتدي القليل من الملابس فقط هههه كانت تنظر إليَّ نظرات غريبة ، و عندما خرجْتُ من المتجر لأستقل سيارتي وجدتها عند قارعة الطريق و هي تنظر إلي مبتسمة ، فتحت زجاج السيارة و ألقيت عليها التحية و ردت علي بأخرى مع نظرةٍ و ابتسامةٍ صغيرتين ، طلبت منها أن تصعد لأقلها إلى وجهتها فوافقت مسرعة بدون تردد في مشهد استغربت له أول الأمر ، أخدت رقم هاتفها فيما بعد و التقيتها اليوم ..
أوووو و مَن هذه الفتاة التي سترفض الركوب معك في سيارة فارهة مثل سيارتك هههه
لكن المفاجئة الكبيرة هي أنني اكتشفت أنها منال نفسها !!
لا .. !! لا تَـقُلْها .. !!
أنا أيضا فوجئت عندما تمعنت في ملامحها ، كان الوقت ليلا ولم أتخيل أنها هي !!..
هل تعرفَتْ عليك ؟؟
مطلقا .. فقد كانت تعيش الدور بحرفنة كبيرة ظنا منها أني ضحية جديدة وقعت فريسة لنظراتها البريئة
و ماذا أنت فاعل معها ؟؟
لا أدري هههه سنرى كيف ستسير الأمور ..
...
أجلس في المقهى كل يوم أحتسي فنجان قهوتي السوداء المعتادة بُعَيْدَ الخروج من يوم عمل شاق و طويل ، أُطالع صحف اليوم التي لم تُتَحْ لي فرصة مطالعتها صباحا ، صحف تصبح كل يوم أكثر اصفرارا من اليوم الذي قبله لما تحمله من تفاهات أخبار مقززة عن اغتصاب و تحرش و شذوذ ... إلخ لا أدري ماذا سيفيد القارئ من مثل هذه الأخبار و هي في جلها مفبركة لإثارة القارئ فقط ، و بينما أنا هكذا أقلب صفحات الجريدة لمحت طيف فتاة قادمة عبر زجاج المقهى الخارجي ، تختفي و تظهر بين الشجيرات التي تحيط بفناءه .. فتحت الباب بهدوء و دخلت تحتل المكان بطلعتها البهية و بطريقة مشيتها الرزينة ، فتاة في قمة الجمال شدتني بقوة فتسمرت عليها عيناي طويلا بلباسها المحتشم و حجابها الذي يزينها كتاج على رأسها ، بوجه طبيعي بدون مساحيق أو طلاء ، وقفَتْ لبرهة تجيل بصرها تتفحص المكان ثم توجهت إلى مائدة شاغرة .. جلست واضعة حقيبتها على ركبتيها وهي تطالع الساعة بين حين و آخر .. لعلها تنتظر صديقها أو عشيقها فلا يغرنك مظهرها .. قلت هذا في نفسي .. أثارني المشهد و أردت أن أعرف بماذا سينتهي ، فتاة في قمة الجمال محتشمة تحني رأسها على استحياء و في مقهى عام فماذا ستنتظر ؟؟ لم يدم ترقبي طويلا فسرعان ما رفعت رأسها و على محياها ابتسامة عريضة و هي تنظر إلى الباب يُـفْتَحُ ليدخل منه ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
و أنا شاخص بصري إلى المشهد ، شعرت أن الألوان امحت من المكان و أن جموع الجالسين في المقهى توقفت حركاتهم و توقف هرجهم و مرجهم و لم يتبقى من الصورة إلا عناق طويل بين الفتاة التي جتث على ركبتيها و طفلة صغيرة انطلقت عندما فُتح الباب إلى أحضان الفتاة و هي تنادي "أختي أختي .." ، لم ينتهي المشهد بعد فقد دخل رجل كبير السن ذو لحية خفيفة و امرأة ما إن أبصرتها الفتاة حتى انطلقت نحوها بسرعة تقبل يديها و رأسها و تأخدها في حضنها و هي تقول "أمي أمي .." لابد أنه لقاء بعد غيبة طويلة ، لم أستطع أن أقاوم التأثر الكبير الذي كان يعتريني حينها و لم أستطع أن أقاوم لذة التطلع إلى مشهد الحب هذا الذي لا تشوبه شائبة ولا يعتريه أي نوع من أنواع النفاق .. كانت عيناها المفتوحتين على مصراعيها و هي تتحدث بلهفة و هي ممسكة بيد والدها كافية لتصف مدى المشاعر الجياشة التي يكتنز قلبها .. ولماذا تنافق أهلها ؟؟ ما يدريك أن احتشامها يخفي خلفها وجها أسود ؟؟ .. قلت في نفسي ..
شعرت برغبة كبير في التعرف على هذه الفتاة ، كنت أريد أن أعرف هل هذا الوجه الأبيض الملائكي يملك قلبا أبيض مثله أم أن تلك العينين الزرقاوتين تخفيان قلبا شيطانيا .. و أنا أقلب الأفكار يمينا و شمالا إذا بهاتفي يرن لأجد منال المتصلة ، ارتسمت على محياي ابتسامة اشمئزاز فلم أرد الرد عليها و أقفلت الهاتف مواصلا التحديق بالفتاة التي سرعان ما اكتشفت أني أنظر إليها فقد كانت جالسة قبالتي فغيرَتْ بسرعة مقعدها .. لتتجنب نظراتي ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
أوقفت السيارة بعيدا إلى أن دخلت رفقة أهلها إلى المنزل .. جلست أتأمل في محيط الحي و شكل المنزل و أنا متكئ على مقود السيارة ، أجَلْتُ بصري في المكان يمنة و يسرة إلى استقرت عيناي على محل خضار يخرج منه رجل سمين أكرش دو لحية متوسطة ، فتحت الباب و توجهت نحوه بهدوء ملقيا التحية ..
السلام عليكم ..
و عليكم السلام و رحمة الله يا بني ..
كنت أريد تشكيلة من الفواكه يا عماه ..
مرحبا مرحبا .. كم تريد ؟؟
من كل نوع رطلان .. جازاك الله خيرا
أستغفر الله يا بني .. سأختار لك أجودها
شكرا لك يا عماه .. كيف حال العمل في هذا الحي ؟؟ هل هناك رواج هنا ؟؟
نحمد الله على الرزق الحلال يا بني ، الأمور جيدة نسأل الله أن يديم نعمه
آمين آمين .. كنت أريد أن أسألك يا عماه
تفضل يا بني اسأل ما بدا لك
منذ قليل دخلت فتاة مع ذويها إلى ذلك المنزل ، هل ..
(مقاطعا) .. آآآه تقصد منال ابنت الحاج ابراهيم ؟؟ لماذا تسأل عندها ؟؟
"أوووبس..اسمها منال هي الأخرى (قلت في نفسي) !!!" لا لا .. مجرد سؤال ، تشابهت لي مع إحدى الفتياة اللاتي درست معهن
آآآه .. هي تدرس هنا في الجامعة ، لكن أهلها يقطنون بمدينة أخرى و قد جاءوا لزيارتها اليوم لأول مرة .. إنها فتاة مهذبة و قد أحسن والداها تربيتها و إلا لانحرفت كباقي الفتيات اللاتي يملئن المدينة .. اللهم استر أبنائنا و بناتنا يا رب ..
آمين .. لا حول ولا قوة إلا بالله ، لقد تغيرت الأحوال يا عم اللهم لا تؤاخدنا بذنوب غيرنا ..
آمين آمين يا بني .. فواكهك جاهزة هل آخدها لك إلى السيارة ؟؟
لا لا .. إنها قريبة شكرا جزيلا لك
مرحبا بك دائما يا بني ..
 
لم يغمض لي جفن ليلتها لا أدري لم ، حتى أنني أحسست بنوع من الغرابة لأني كنت أظن أعير الموضوع برمته أكثر مما يستحق .. فتاة جميلة و تسكن وحيدة بلا رقيب ولا حسيب و مغريات الحياة كثيرة و المتربصون بها كثر ، لن تستطيع المقاومة .. ولكنها فتاة يظهر عليها الوقار و الحشمة و الشخصية القوية .. ألازلت تنظر إلى مظاهر الناس و تحكم عليهم !! .. كان هذا هو حالي طوال الليل أتقلب في سريري و أنا حائر ..
ــــــــــــــــــــــــــــــ
 
فتحت هاتفي لأتصل بمصطفى لأني أقفلته منذ عشية أمس لأجد كماً هائلاً من المكالمات المسجلة و الرسائل النصية القصيرة و كلها من "منال" أخدت في مسحها جميعها حتى دون أن أقرأها و أنا أقول مع نفسي "الدنيا قصيرة جدا لأضيعها مع متسخة مثلك" .. 
ركنت سيارتي في الموقف و توجهت إلى المقهى الذي تعودت على احتساء قهوتي اليومية فيه ، بعد أن طويت الشارع ، رفعت عيناي لتستقر على فتاة تقف على ناصية الطريق وهي تحدق في متفحصة لتفتح فاهها مبتسمة "فِراس ؟؟" ، نظرت إليها باستغراب و فجأة تذكرتها فقد كانت هي "إلهام" ، ابتسمت في وجهها و دار بيننا حديث قصير أظهرتُ له فيها محدوديتي في الكلام و عدم رغبتي في توطيد العلاقة مجددا بدون أن أصرِّح بينما هي تحاول أن تخلق نوعا من الحميمية في حديثنا ، بدأت أسألها عن أحوالها و جديدها إلى أن سمعت صوتا ينادي خلفي "إلهام إلهام .." استدرت بهدوء لأجد "منال" خلفي و هي مستغربة لوقوفي مع صديقتها ، ألقت علي التحية و بادرتني بالسؤال :
لماذا لا تجيب منذ أيام على مكالماتي ؟؟
لأنني ببساطة لا أريد ..
!! و لِـمَ ؟؟ لماذا تغيرت معي فجأة ؟؟
هييييه هييييه .. ماذا هناك ؟؟ (إلهام مخاطبة الجميع)
لا شيء يا عزيزتي ، صديقتك نسيت أو تناست أنها فيما مضى لم تكن تستلطفني أبدا ، و الآن تريد أن تلعب معي دور السندريلا
و هل أعرفك قبلا ؟؟ لم أتعرف عليك إلا منذ أيام !! و قد كنا متفاهمين كثيرا و الآن تغيرت معي فجأة !!
ليس لدي وقت لأضيعه معك يا عزيزتي ، اسألي صديقتك من أكون لكي تقول لك ، و احمدي الله أنني لم أفعل معك شيئا فقط لأني لا أتصور حياتي و أنا أركض لأعض كلبا كما عضني في السابق .. إلى اللقاء يا إلهام أراك لاحقا .. آه و أجيبي على أسئلة صديقتك ، هناك أشياء كثيرة ستسألك عنها ..
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
السلام عليكم و رحمة الله ..
و عليكم السلام و رحمة الله تعالى و بركاته ..
لقد عدت لأن تشكيلة الفواكه التي أخدتها من عندك كانت جيدة جدا ..
مرحبا بك في أي وقت يا بني ، للتو جاءت تشكيلة جديدة لازالت طازجة ..
ممممم اعطني من كل نوع رطلان ..
مرحبا بك يا بني ، خد كرسا و اجلس ، هل تريد شرب شاي ؟؟
أجل أنا أحب شرب الشاي هههه
جلست عند باب المحل أحتسي كأس شاي ساخن و أنا أنظر إلى منزل الفتاة التي لا أدري كيف شدتني إليها بشكل غريب ، أفكر فيها طويلا حتى أنني أجاهد نفسي لنسيانها إلا أنني دائما ما أفشل على الرغم من البدائل الكثيرة الموجودة إلا أنني حزمت نفسي و قررت أن أضع نهاية لسنوات الضياع و مسلسل النزوات التي واكبتني عبر سنيني المعدودة .. و أنا أترقب أي حركة أو مرور أي طيف على نوافد المنزل إذا بالباب يفتح لتنسل من خلاله طفلة صغيرة تحمل بين أحضانها دمية عروس بيضاء و هي تقول بصوت عال "هيا يا منال أسرعي أسرعي" ، و ماهي إلا هنيهة لتخرج فتاتي الجميلة التي لا يظهر من قوامها الشيء الكثير بلباسها المحتشم و طريقة ارتدائها لحجابها ، فتاة لا تظهر أيا من محاسنها إلا أنني لم أستطع أن أقاوم لذة التحديق في عينيها .. أمسكَتْ بيد الطفلة و تقدمت نحو محل الخضار هذا مبتسمة وهي تداعبها بلطف ، كأن ضجيج الأطفال الذين يلعبون الكرة و الفتيات الصغيرات اللاتي تملئ أصواتهن المكان وهن يلعبن الحجلة توقفت و امحت من الشارع أصوات محركات السيارات و الشاحنات ، و كأن ألوان المشهد اعتزلت لتترك للأبيض و الأسود حق التعبير ببساطة عن شعوري حينها و كأني أسمع وقع قدميها في حنوٍّ على الأرض و هي تتقدم شيئا فشيئا لتحتل المكان و معه قلبي الصغير الذي بدأ يخفق أكثر و أكثر بعد كل خطوة تخطوها تجاهي .. وصلت إلى المحل ، نظرَتْ إليَّ نظرةً خطفََتْهَا بسرعة بعد أن اكتشفت استمرار تحديقي بها ، ألقت التحية .. كان صوتها حنونا رقيقا صغيرا وهو يخرج من شفتيها الجميلتين ، تسمرت عيناي عليها وهي تتقدم داخل المحل لتختار أغراضها ، استيقضت من المشهد لأجد الطفلة الصغيرة تنظر إلي محتضنة العروس خاصتها ، نظرت إليها بابتسامة صغيرة مع نظرة ود بريئة ..
هل تشربين الشاي ؟؟
لقت أفطرت للتو ..
ما اسمك يا صغيرتي ..؟؟
اسمي وئام ..
ممممممم اسم جميل جدا ، و ما اسم دميتك الجميلة ؟؟
لا أدري .. ليس لها اسم
و كيف ذلك .. يجب أن تطلقي عليها اسما معينا لكي تناديها به
أختي أختي .. هل لنا أن نطلق اسما على العروس التي اشتريتها لي ؟؟
(وهنا التفتت الفتاة نحونا و التقت عيناي بعينيها في لحظة لا أستطيع أن أصِفها، شعرت بالقشعريرة و كأن سلكا كهربائيا لفني لفاًّ)
نعم ، يمكننا ذلك (ردت بابتسامة جميلة)
حسنا ، لقد وافقت أختي ، يمكنني أن أطلق على دميتي اسما ، لكنني لا أستطيع أن أقرر
أي اسم ستختارينه أنت و أختك سيكون جميلا ..
حسنا حسنا .. عندما نعود إلى المنزل سنقرر ذلك ، ولكن ما اسمك أنت ؟؟
أنا اسمي فِراس ..
فِراس !! ما هذا الإسم الغريب ، لم أسمع به من قبل
أنا أيضا لا أدري من أين جاء به أهلي هههه
و بينما أنا أخوض في حديث مشوق و جميل مع الطفلة الجميلة ، وضع العم حزمة الفواكه التي طلبتها بالقرب مني و بعد أن دفعت له أخدت أنقلها إلى السيارة و أنا أخطف نظرات سريعة من الفتاة التي لا أعلم كيف أسرتني بعينيها .. لم أُرد الرحيل فقدماي لا تودان الحركة ، جلست على الكرسي أتمم كأس الشاي بكل البطئ المتاح لأتطلع إليها أكبر وقت ممكن ، و أنا أنظر إلى الطفلة الصغيرة التي تشبهها كثيرا ..
هل تعلمين أن لدي أخت صغيرة مثلك ؟؟
أوووو في مثل سني ؟؟
نعم هي في حدود الخامسة
أنا أيضا لدي خمس سنوات و أربعة أشهر ، و أين هي الآن ؟؟
انها في المنزل
اذهب و أحضرها لنلعب سويا
مممممممم في وقت لاحق ، المنزل بعيد من هنا ، انه في اقصى المدينة
و ماذا تفعل أنت هنا
هههههههه أتيت لأقتني بعض الفواكه
و هل منزلكم ليس بقربه بائع فواكه ؟؟
(يا للورطة هههه) نعم يوجد ولكن الفواكه عند العم طازجة و جميلة لهذا أحضر كل مرة
آآآآه ، قل لي ما اسم أختك الصغيرة ؟؟
اسمها نرجس
ممممم اسمها جميل ، في المرة القادمة احضرها لنلعب
حاضر سوف أفعل ههههه
لكننا سنسافر بعد أسبوع فقط
سأحاول أن أحضرها قبل هذا الوقت كوني مرتاحة ..
أتمت الفتاة اختيار أغراضها الكثيرة ، و سمعت العم يقول لها
هل آخد لك الأغراض إلى الباب ؟؟
لا لا ظهرك يؤلمك منذ مدة لا داعي لذلك ، أنا سأحمل بعضها و أعود للبعض الآخر
قمت من الكرسي و توجهت إليها بهدوء قائلا : دعيني أساعدك
لا لا .. شكرا
تطلعت إلى عينيها لبرهة صمتٍ قصيرة و نظرة استعطاف بادية على محياي قائلا : من فضلك ..
أحسست أنها ارتبكت قليلا و ترددت في القبول إلا أنها ولسبب ما قبلت : حسنا .. مع أني سأتعبك معي
تعبك راحة .. و على أيٍّ لقد أصبحت أنا و وئام أصدقاء ، أليس كذلك يا وئام ؟؟
نعم نعم يا صاحب الإسم الغريب ، ولكن لا تنسى أن تحضر نرجس في المرة القادمة
و من نرجس هذه ؟؟
إنها أختي الصغيرة ، إنها في عمر وئام تماما ..
آآه .. حسنا
تمنيت لو أن المسافة الرابطة بين محل الخضار و منزل الفتاة يطول و يطول و أنا أسير بجانبها و الطفلة الصغيرة تقفز من حولنا ، شعرت بنوع من السعادة لم أشعر بها من قبل و سيطرت على مخيلتي أفكار جعلتني منتشيا فرحا مسرورا .. وصلنا إلى باب المنزل و إذا بالأب يخرج منه ، تطلع إلي لبرهة ، ألقيت عليه التحية بابتسامة وِدٍّ ردها علي بأخرى مثلها ، انطلقت الطفلة الصغيرة إلى أحضانه لتخبره أنني ساعدتهما في نقل كيس الخضار و الفواكه ، شكرني بعد ذلك و طلب مني الدخول لشرب الشاي إلا أنني رفضت بلباقة شديدة و عندما هممت بالإنصراف نظرت إلـيَّ الفتاة بابتسامة زهرية قائلة : شكراً جزيلا لك أخي الكريم . نظرت إليها و أنا أتطلع إلى عينيها و ابتسامة سعادة بادية على محياي و قلت : لا داعي للشكر ، هذا واجبي ..
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
 
تغير برنامجي اليومي كليا فلم أعد أرتاد المقاهي إلا لماما و لم أعد أتسكع في الشوارع ، كل وقتي أصبحت أخصصه لـمـنـال ، أنظر إليها و هي قادمة من الجامعة ، أتطلع إلى طريقة مشيتها و إلى نظرات عينيها و إلى طريقة تعاملها مع من يحاول مغازلتها في الشارع ، كنت أحاول ألا تشعر بأني أتبعها لكي تبقى تصرفاتها و طريقة تعاملها مع الناس طبيعية بدون أي تصنع أو تكلف .. لم أمل يوما من تتبعها حتى بعد أن مرت أسابيع على حالي هذه إلى أن اكتشفت هي أنني ألاحقها عن بعد و أن نظراتي تحرسها دائما ، شعرت بأن نوعا من الإرتباك بدأ يظهر عليها
جيد أنك أفلتت من أنياب تلك الحية يا صديقي ..
كانت لدي رغبة كبيرة في أن أُعَرِّفَهَا حجمها الحقيقي ، ولكنني بعد أن رأيت تلك الفتاة ، لم تعد لدي أي رغبة في مواصلة مسلسل النزوات هذه و قررت أن أتركها و غَيَّها .
يا عيني على السيد رومنسي هههه
كفاك سخرية أيها الغبي هههه و ما يدريك أنت بالحب ، أنت على الأكثر تحب بطنك فقط ههههه
لا لا بعيدا عن السخرية الآن ، كيف ترى تلك الفتاة صراحة ؟؟
مميزة و استثنائية ، كل يوم أشاهدها فيه يزداد تعلقي بها أكثر و أكثر .
هل تريد أن أتحرى لك عنها ؟؟
لا يا أخي ، أجارني الله من تحرياتك الفاشلة هههه
كنت فقط أريد أن أقدم لك خدمة لألا تسقط في حفرة أخرى كالعادة هههه
مَن مِن أصدقائنا يعمل حاليا بالجامعة ؟؟
ما أكثرهم ، هناك محمد يعمل في الكتابة العامة و هناك عصام يعمل معيدا هناك و هناك آخروون
عصام الذي يسكن بالقرب من منزلي ؟؟
هو بعينه ..
مممممم لقد التقيته منذ مدة ولكنه كان لا يزال يدرس آنداك
لقد عُيِّن بداية هذا العام بالجامعة ..
حسنا .. هل لديك رقم هاتفه ؟؟
سأبعثه لك في رسالة لأني نسيت الهاتف الآخر في المنزل ..
جيد .. و أنا سأكلمه ليلا ..
كل هذا المسلسل الطويل من أجل مصادقة فتاة ؟؟
و من قال لك أنني أريد فقط مصادقتها !!
و ماذا تريد منها ؟؟
أريد أن أفعل كل ما يفعله أي شاب مع صديقته مع فرق وحيد ..
و ما هو ؟؟
أريد أن أضع كل هذا في إطاره الطبيعي الذي لا يغضب الله ولا يتعارض مع ثقافتنا و تقاليدنا الحافظة
يا سلالالالام من أين نزل عليك كل هذا الإيمان فجأة هههه ، سنأكل الدجاج المحمر و البسطيلة في عرسك قريبا هههه..
أنا أعلم أنك تحب بطنك كثيرا لهذا سأحقق حلمك بجلسة غزلية رومنسية مع مائدة مملوئة بالطعام هههههه
أين أنت منذ مدة طوييييلة ههههه
 

0 التعليقات:

إرسال تعليق